قمة الجبل و سلسلة من الاحداث الغامضة

تفاعلات النظم وراء قيام المؤسسات الناجحة أو فشلها و إنهيارها

Citation
, XML
Authors

Abstract

في كتابة المختصر و الرائع المضمون ذو السياق السلس المسمى قمة جبل الجليد تعرض دافيد هاتشينس (David Hutchens) لما يطلق علية بالقوى أو الأحداث الخفية التي تؤثر في إقامة ونجاح المؤسسات و المشاريع أو في فشلها وهدمـــها وقـــــد اخــــــتار هاتشينس أمثلة حية من الطبيعة لتقريب الصورة إلى الأذهــان من أجل تسهيل استيعاب المفاهيم التي قــد تكون مبهـمة وراء المعنى لــدى البعض حيث كان مسرح الأحداث هو سطح أحد جبال الثلج العائمة والمنتشرة في القطب الشمالي أمـــا أبطال هــذه الدرامــــا فكانوا طــيور البطريــق وعجـول البحـر وأصـداف المحــار. ‎

    التمهــــــيد

    تعلمنا دائما أن بلوغ النجاح لأي مؤسسة أو مشروع يتطلب إتباع سلسلة من الخطوات المنطقية التي يجب أن تعتمد على المنهج العلمي وترتكز على النتائج المتراكمة للخبرات السابقة المشابهة كما أن بلوغ هذا النجاح لابد و أن يتطلب منا توفير كافة الحلول المبتكرة والنظر للأمور بصورة شاملة و أعتبار المؤسسة أو المشروع المراد إقامته أو القائم منها والمراد إدارته كنظام مكتمل بحد ذاته تكون حدوده معروفه  ومدى توسعة  المأمول والمستقبلي محدد ومعلوم. إن تجاوز أي أحداث غامضة أو التغاضي عنها خلال بناء أو إدارة هذا النظام وعدم بذل الجهد في فهم ومعالجة هذه الأحداث سوف يأذن ذلك ببداية انهيار المشروع أو المؤسسة، هناك العديد مما يطلق علية القوى أو الأحداث الخفية  ذات التأثير السلبي على نظام العمل التي يجب السعي وراء إماطة اللثام عنها لإدارتها و معالجتها تفاديا لدفع المؤسسة أو المشروع نحو هاوية الفشل.

    إن فلسفة ومنهج هذا الكتاب تتطابق مع البحث وراء تلك الأحداث الغامضة سعيا لفهمها ومعالجتها ولذلك وجدنا أن مسرح الأحداث هو قمة أحد جبال الثلج التي تتسم  دائما بمحدودية مساحة  السطح ذات الطبيعة المنحدرة بنسب متفاوته  تجاه مياه المحيط و أبطال هذه الدراما  وكما ذكرنا في السابق هم طيور البطريق ذات الرئة المحدودة الحجم التي لا تساعدها على الغطس لإعماق كبيرة داخل مياه المحيط وهى تنتشر وتعيش على تلك المساحة المكشوفة من الجبل حيث تتغذى على المحار وهو ثاني أبطال المشهد الكلى والمتقوقع داخل صدفته القوية ألذي ينتشر في الأعماق السحيقة على قاع المحيط والتي تستطيع عجول البحر القوية البنيان ذات الرئة كبيرة الحجم فقط في الوصول إليه حيث نراها في الغالب تستوطن ارض القطب المتجمد الشمالي القريبة من جبال الثلج العائمة و المنتشرة حوله وهى ثالث أبطال المشهد.

    إذا نحن نتحدث هنا عن نظام بيئي متفاعل ومتغيراته التي تتحكم فيه هي سطح القمة و طائر البطريق والمحار وعجل البحر والأحداث المحيطة بهذا النظام والمؤثرة فيه هي التي يمكن أن تبعث فيه الحياه والديمومة أو تدفعه نحو الفشل والانهيار، إن اتزان أي نظام هو إشارة إلى نجاحه واستقراره عند المستوى المطلوب، والأسئلة التي تطرح نفسها هنا وفقا لهذا المنظور نحو هذا النظام البيئي هي كيف نحافظ على تلك المساحة المحدودة من القمة  التي تميل للانحدار من الازدحام والامتلاء ؟ وكيف نوائم بين المتطلبات المختلفة لساكني هذه القمة بما لا يؤثر عليهم  و أيضا على البيئة التي يعيشون عليها ؟. وللإجابة على هذه الأسئلة كان لابد لنا من اكتشاف سلسلة من الأحداث الغامضة.

    مقومات النظام البيئي لسطح (قمة) الجبل

    هناك ثلاث مقومات تحكم هذا النظام البيئي وهى:

    ١- المساحة المحدودة لسطح (قمة) جبل الجليد.
    ٢- الموارد الغذائية الغير محدودة والمتوفرة بكثرة لطيور البطريق والممثلة فـي المحار المنتشر فــي البيئة
        المائية المحيطة بها والتي يصعب علي تلك الطيور التوصل إليها نظرا لتواجدها في أعماق سحيقة داخل
        المحيط.
    ٣- توفر ما يمكن أن نسمية تقنية الحصول على الموارد الغذائية (المحار) وإمكانية توصيلها للمستهلك (طائر
        البطريق) من قبل عجول البحر الرابضة على سطح القطب وعلى مسافة قريبة من جبل الجليد.

    كيف يعن لنا إدارة هذه المقومات من أجل إنشاء نظام بيئي  متفاعل ومتزن ومستقر على الرغم من وجود صعوبات في العلاقات بين هذه المقومات وبعضها البعض، فمثلا مساحة البيئة محدودة والمحار ليس في متناول طائر البطريق بل المخزون الطبيعي منه غير معلوم كما أن عجول البحر سوف تشارك البطريق في تناول المحار بل الأخطر من كل ذلك هو مطمع عجول البحر في التهام البطريق ذاته ، فمن أين وكيف نبدأ ؟.

    اتفاقية للتعاون وتبادل المنفعة وعدم الاعتداء

    لقد دفعت معدة أحد طيور البطريق الحكماء المتضررة جوعا من هذا الطقس القارس البرودة تفكيره نحو  التساؤل عن الوسيلة التي يمكن عن طريقها توفير الغذاء له  من المحار البعيد المنال له ولغيرة من أقرانه، ولم يذهب عناء تفكيره بعيدا لإنه لم يكن له بد إلا من الاهتداء إلى وسيلة واحدة بدت متوفرة وهى  اللجوء إلي خدمات عجول البحر القوية البنيان القادرة على الغطس إلى الأعماق السحيقة لجلب المحار اللذيذ الطعم بكميات وفيرة وهى  نفسها  التي  لديها القدرة عن طريق أنيابها القوية من كسر صدفة المحار العصية، إذا أين تكمن المشكلة ؟.

    عجول البحر دائما لديها مطمع دائم في مطاردة طائر البطريق الضعيف لالتهامه، كما أن عجول البحر لا تسكن جبال الجليد العائمة بل دائما ما تستقر على ارض القطب القريبة من جبال الجليد وهي تقوم بغارات مفاجئة على مثل تلك الجبال لاقتناص طيور البطريق …!!!!. إذا الحل ربما يتمثل في التقرب من بعض حكماء عجول البحر لشرح وجهة نظر طيور البطريق نحو وضع إطار للتعاون فيما بينهم يضمن التعايش السلمي للجميع وتبادل المنفعة .

    بعد تبادل الزيارات و إجراء العديد من الحوارات و المناقشات والمباحثات بين حكماء الطرفين أستقر الرأي على أن يقوم الطرفين بتوقيع اتفاقية للتعاون وبما يضمن التعايش السلمي بينهم حيث اشتملت  تلك الاتفاقية على ثلاث بنود رئيسية مختصرة ومحددة منعا للتفاصيل المملة التي دائما ما يسكن بها الشيطان، وهي:

    ١- أن تقوم عجول البحر بحصد و استجلاب المحار مــن قــاع المحيط إلى سطح (قمة) جبل الجليد المجاور.
    ٢- أن تتعهد طيور البطريق بترك عجول البحر الجالبة للمحار من التغذي علية على قدر استطاعتها وما يتبقى
        فهو من نصيب طيور البطريق.
    ٣- أن تتعهد عجول البحر بعدم المهاجمة أو الاعتداء على طيور البطريق.

    تفعيل بنود الاتفاقية

    بمجرد الانتهاء من احتفالية التوقيع على الاتفاقية التي أصبحت واجبة النفاذ، وبدأ العمل بهمة ونشاط وبدت السعادة على الجمع القليل من كلا الطرفين وهم عجلان من عجول البحر وعشرون من طيور البطريق وحصاد وفير من المحار للجميع بل ويزيد عن الحاجة وبالتالي يمكن تخزينه في أماكن عديدة داخل سطح قمة الجبل التي تتسع للجميع وما زالت تفيض بمتسع.

    دورة نظام العمل

    الأيام الهنية تمر والعمل يدور بيسر وسهولة ورغد العيش يبدو متوفرا والسعادة بادية على الجميع ودورة النظام البيئي تتفاعل بنجاح وهى مستقرة ومتزنه ولا يعكر صفوها أي نوع من المشاكل أو المعوقات نتيجة للالتزام الأطراف بتطبيق بنود الاتفاقية حرفيا  وسيادة روح التعاون فيما بين الجميع، هكذا بدت الصورة مثالية وجلية على سطح الجبل.

    لكن بمجرد رؤية الآخرين للسارية وراية الاتفاقية مرفرفة على قمة الجبل و انتشار خبر هذه الاتفاقية عند الجيران بدأ المزيد ثم المزيد ثم المزيد ثم المزيد ثم المزيد……الخ  من عجول البحر وطيور البطريق في التوافد تباعا إلى الجبل سعيا للمشاركة والاستفادة من مزايا هذه الاتفاقية (النظام) …..!!!!، الأمر الذي دفع فضول أحد حكماء طائر البطريق للتساؤل إلى متى سيستمر هذا التدافع من طيور البطريق وعجول البحر الغريبة إلى الجبل ؟ وإلى أي مدى سيتحمل سطح هذا الجبل هذا التزاحم المتزايد ؟ بل إلى أي مدى سيصمد الجبل ذاته ويقاوم الغرق نتيجة تلك الأحمال المتزايدة ؟  فهل كان على حق في تساؤلاته ؟؟؟؟ – أخيرا نظر هذا الطائر إلى السارية المرفوعة أعلى القمة وتمنى لها الصمود ولإن تبقى مرفرفة في الأعالي …..!!!!.

    تلخيصا للحالة  التي أصبح عليها سطح الجبل الآن أنه اصبح مزارا جذابا ووجهة إقامة مميزة للجيران من طيور البطريق وعجول البحر الوافدين حيث اصبح هم الجميع بلا استثناء ينحصر فقط تجاه الحصاد المتزايد من المحار والاستهلاك المتزايد منه وهكذا سارت الحياة على سطح الجبل.   


    تطور الأحداث

     في خضم الفرحة الغامرة بتوفر هذا الغذاء الوفير تنفيذا لبنود تلك الاتفاقية التاريخية يا ترى هل تناسى ساكني هذا الجبل أم كانوا غافلين أم لم يدركوا بعض الأمور التي كان يجب استشرافها  في وقتها والإشارة إليها ضمن الاتفاقية، هل حدث ذلك نتيجة لجهلهم أم أن الأمر كان عصيا للفهم عليهم لأنهم لم يعلموه وبالقطع فهم لم يروه ؟
 
    هذا بالضبط ما يمكن أن يطلق عليه سلسلة الأحداث الغامضة التي تدفع الأمور لكى تصبح أسيرة لتفاعلات نظام ما، إن رؤية أوائل طيور البطريق وعجول البحر ال
موقعين على الاتفاقية كان منصبا فقط تجاه البحث عن افضل البنود التي يمكن الاستناد إليها ضمن الاتفاقية والعمل على تطبيقها بصورة مثالية (نظام فعال ومتزن) ولم يدر في خلدهم وقتذاك تصور إمكانية حدوث أي تبعات مستقبلية نتيجة تطبيق هذا النظام، وبالتالي فمن المؤكد قد غاب عنهم أشياء كثيرة وهذا هو الفرق بين إتباع منهجية ما يسمى بالتفكير الخطى (Linear Thinking) وهى النمط الشائع لدى البشر في أسلوب التفكير ومنهجية تفكير النظم (Systems Thinking) التي تستشرف ما قد يحدث في المستقبل وتحسب تأثيرات كافة المتغيرات وتفاعلياتها المختلفة داخل النظم وتقدم الحلول المبتكرة.

    وفقا لمنظور التفكير الخطى الذي  اتبعه الموقعين على الاتفاقية من طيور البطريق و عجول البحر فإن دورة العمل قد ارتكزت على ما ذكرناه سابقا وهو حصاد أكثر يتبعه استهلاك أكبر وينظر إلى ذلك على هيئة خط  ممتد يبدأ دائما بالحصاد و ينتهى بالاستهلاك، وهذا يمكن التعبير عنه لزيادة الإيضاح من الرسم التالي:

    ووفقا لمنظور تفكير النظم والذي كان مستبعدا لسبب أو آخر من تفكير نفس الموقعين على الاتفاقية فإن دورة العمل سوف ينظر إليها  في هذه الحالة على أنها محصلة لمتغيرين رئيسيين يلعبان كلاهما  نفس الدور حيث يمثل مرة دور السبب (Cause) والمرة الأخرى دور التأثير (Effect) ، بمعنى أن حصاد أكثر (سبب) سيتبعه استهلاك أكبر (تأثير) وفى نفس الوقت أن استهلاك أكبر (سبب) سيلزمه حصاد أكثر (تأثير) ، أي أن كل من الحصاد والاستهلاك يعتبران متغيران متفاعلان (Dynamic Variables) ويؤثر كل منهما على الآخر داخل دورة (نظام) العمل، منهجية تفكير النظم دائما تأخذ الشكل الحلقى عند التعبير عنها رسوميا ويطلق على ذلك اسم الحلقة السببية (Causal Loop) كما هو موضح فى الرسم التالي:      

    حتى نستطيع فهم مسألة السبب و التأثير المتبادل بين المتغيرات وفقا لمنهجية تفكير النظم فلابد لنا من التركيز على مسارات الأسهم السوداء من الرسم السابق حيث أن ذيل السهم ينطلق دائما من المتغير المسبب ورأس السهم يتوجه إلى المتغير المؤثر فيه فمثلا سنجد أن المتغير (A) “عملية حصاد المحار سواء تم ذلك بصورة كثيرة أم قليلة – السبب” يعمل على “زيادة أو نقصان الاستهلاك – التأثير على المتغير (B)” وبنفس المنطق فإن المتغير (B)” عملية استهلاك المحار سواء تم ذلك بصورة أكثر أو أقل - السبب” سوف يعمل على “زيادة أو نقصان عمليات الحصاد - التأثير على المتغير (A)” ….وهكذا بصورة تفاعلية ومستمرة تأخذ الشكل الحلقى.  

     بداية التصدع  والانهيار

    حينما لا تتوفر لدينا المقدرة على التعرف على الأنماط (Patterns) المختلفة التي تتولد عن هيكلية (Structure)  وتفاعلية (Dynamics) نظام ما، فعندها يمكننا القول أننا قد فشلنا في الإلمام بحدود (Limits) هذا النظام وإمكانياته وسيصاحبنا دائما الإخفاق تجاه تطويعه وإدارته بالصورة الصحيحة و الحصول منه على المثالية  في الأداء التي نتوخاها، وهذا بالضبط ما حدث لاحقا لسيناريو نموذج جبل الجليد (Iceberg Model) حيث غاب عن الموقعين على الاتفاقية العديد من المؤثرات الظاهرة وغيرها المخفية، بل لم يبزلوا الجهد الكافي والمطلوب لاستكشاف ذلك، حيث كان من الأجدر أن يأخذوا في الحسبان تأثيرات التفاعليات لبعض المتغيرات نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

    ١- التعرف على الأنماط المختلفة التي تتواجد تحت سطح الماء والتي تعكسها هيكلية قاع المحيط وخصوصا فيما يتعلق تجاه التيقن من عدمه حول توفر المحار دعما لاستمرارية عمليات الحصاد ومنعا لتوقفه، الإخفاق في عدم التعرف على ذلك أدى إلى استهلاك للمحار بسرعة أكبر من المعتاد  مما أدى إلى  بداية نضوب المخزون الرابض منه تحت سطح الماء على قاع المحيط وحول جبل الجليد.

    ٢- عدم الاحتياط نحو الآثار الجانبية الناجمة عن التزاحم و الامتلاء و محدودية مساحة سطح قمة الجبل وكذلك مدى مقاومته للأحمال الزائدة، التدافع الغير محدد من قبل الجيران الوافدين لكل من عجول البحر بإجسامها الضخمة وأوزانها الكبيرة وكذلك من قبل الأعداد الغير محسوبة من طيور البطريق إلى جبل الجليد  من أجل  الاستقرار علية أدى في نهاية المطاف إلى الإيذان ببداية انحسار مساحة سطح القمة واتجاه الجبل نحو القاع غرقا.

    ٣- عدم الاحتياط نحو التعدي على ممتلكات الغير. يعتبر كل من طيور البطريق و عجول البحر من البرمائيات ولكن فترات راحتهم الطويلة تكون على اليابسة، ونظرا لازدياد أعدادهم  في التوافد بصورة مستمرة إلى سطح الجبل ولتزاحمهم المتزايد فإن حوادث الاعتداء على الممتلكات الخاصة  لطيور البطريق من المساحات  لبعض الجماعات منهم على سطح قمة الجبل قد ازدادت وكذلك انتشار حوادث الدهس الغير مقصودة من قبل عجول البحر ذات الأجسام الضخمة لتلك الطيور بالإضافة إلى النزاعات اليومية بين الطيور وبعضها البعض حول المكان والغذاء، كل ذلك قد أحال الحياة  لتصبح غير مريحة على سطح القمة الطافي للجبل.

    نتيجة لهذه العوامل مجتمعة بدأ الجبل يفقد بريقة وجاذبيته وبدأ الجميع في مغادرته مما يعد مؤشرا جليا على فشل الاتفاقية و انهيار النظام البيئي للجبل نتيجة لعدم استشراف الموقعين على الاتفاقية  لما قد يحدث  مستقبلا من سلسلة من الأحداث التي كانت غامضة عليهم عند التوقيع.

    التعزيز مقابل الاتزان:

    حينما ننظر إلى النتيجة المحزنة التي آل إليها النظام البيئي لجبل الجليد ونسعى إلى تحليل ما حدث وفق رؤية تفكير النظم، فلابد لنا من التطرق إلى توضيح عمليتين أساسيتين من العمليات اللتين تؤثران  في عمل النظم المختلفة، وهما العملية التعزيزية (Reinforcing Process) والعملية المتزنة (Balancing Process) هاتين العمليتان يمكن تمثيلهما بمـــا يسمى بالحلقات السببية (Causal Loops)، وهمـــا يعتبران مــــن الكتل البنائية للنظـــم (Systemic Building Blocks)، ويتم استخدامهم بصورة عملية من خلال الشق التطبيقي لتفكير النظم والذي يطلق علية النظام التفاعلي (System Dynamics)، حيث الغرض من استخدامهم  يكمن في تسهيل رؤية  إيضاح كافة الأحداث والقوى المؤثرة في بنـاء  أي نظام من النظم، العملية المتزنة بالطبع تعكس حالة الاتزان بين السبب والتأثير أي اتزان النظام ذاته  والاحتفاظ بأدائه عند مستوى محدد ومطلوب، أما العملية التعزيزية فمن اسمها يتضح لنا أنها تقوم بتعزيز شيء نتيجة لتعزيز مسبق لشيء آخر مرتبط به، أي تعزيز التأثير نتيجة لتعزيز السبب أو العكس وبالتالي فالأخيرة تمثل حالتان غير متزنتان أي تقوم بتمثيل النمو أوالانحدار فإذا كانت العملية التعزيزية تميل إلى تمثيل النمو لتطور نظام ما ففي هذه الحالة يطلق عليها اسم  العملية الفعالة ويتم تمثيلها بما يسمى بالحلقة الفعالة  (Virtuous Cycle)، أما إذا كانت العملية التعزيزية تمثل العكس أي الانحدار (الانهيار) ففي هذه الحالة يطلق عليها أسم العملية الرديئة ويتم تمثيلها بما يسمى بالحلقة الرديئة (Vicious Cycle).

        كما لاحظنا في الرسم التوضيحي السابق فإن زيادة محصول المحار يدفع باتجاه زيادة جاذبية جبل الجليد الأمر الذي يدفع هو الآخر إلى زيادة أعداد الوافدين إلى الجبل …..وهكذا بصورة مستمرة، هذا النظام البنائي يعكس ما قد سميناه في السابق بالحلقة الفعالة طالما أن الأمور ما زالت تحت السيطرة (المحار متوفر والمساحة متاحة والأعداد الوافدة مقبولة)، ولكن في حقيقة الأمر فإن لها حدود عند تخطيها تنقلب إلى حلقة فاسدة أو (رديئة)، النمو أو الانحدار (الانهيار) الذي يمكن تمثيله بواسطة الحلقات التعزيزية لا يمكن استمراره إلى ما لا نهاية، ولابد لان يكون هناك شيئا ما يحد من ذلك، وهنا يأتي دور الحلقات المتزنة فبتدخلها في بناء نماذج النظم سوف يعمل ذلك على الحد من  هذا النمو أو الانهيار وفى الوقت ذاته يمنح التوازن لمتغيرات أخرى قد تكون معتبرة افتراضيا خارج نطاق التحكم في هذا النظام كما يتضح من الرسم التوضيحي التالي:.

        الحلقة الفاسدة (الرديئة) التي انتهى إليها النظام البيئي لسطح قمة جبل الجليد نتيجة لعمليات التعزيز المستمرة هي التي دفعت هذا النظام إلى الانهيار واقتراب الجبل من الغرق لابد وأن تدفع  دائما المتتبع لها من مفكري النظم للبحث عن بعض المحددات (الكوابح أو الفرامل) التي يمكن أن تساعد على تثبيط أو إعاقة عمليات التعزيز المستمرة أو تعمل على تصحيحها (حساب أقصى حمل ممكن أن يتحمله الجبل لأوزان عجول البحر وطيور البطريق العديدة الوافدة إلى الجبل للانخراط في تطبيق الاتفاقية و الاستفادة من بنودها) وكذلك العمل لإيجاد متغيرات أخرى قد تكون غير مرصودة حتى يتم تضمينها داخل بنية النظام من أجل العمل على تصحيح اتجاهاته (حساب مساحة  سطح القمة التي يمكن إتاحتها للسكن مقارنة بإحجام وأنواع ساكنيه “طيور البطريق وعجول البحر”  لمنع التزاحم والدهس وأيضا عدم إغفال حوادث التقاتل بين السكان التي تضفى تأثيرا تراكميا سيئا على النظام بأكمله ) . من خلال الرسم التوضيحي للحلقة السببية المتزنة السابقة سنجد أن ما تم اعتباره ضمن بنيتها من متغيرات ذات اتجاهات معاكسة  للتعزيز السابق قد دفع النظام بأكمله للتوقف عند حد معين  (تصحيح مسار وتفاعليات النظام البيئي للجبل من أجل الالتزام بمستوى محدد من الأداء) وهو الأمر الذي تم التوصل إليه نتيجة لبداية فقدان الجبل لجاذبيته نظرا لمحدودية المساحة المتبقية  التي كانت السبب المباشر في حدوث النزاعات على أماكن السكن و الاستقرار وكذلك تقليص عدد الوافدين إليه وخصوصا من عجول البحر، الأمر الذي انعكس بدورة على كمية  محصول المحار المستخرج من الأعماق،  … فهل يصبح ذلك حلا كافيا ؟.

    إيهما يصلح للتطبيق ؟

    مما سبق التعرض إليه يمكن أن نؤكد أن التعزيز بمفردة لا يصلح (حصاد من المحار أكثر يؤدى إلى استهلاك أكثر من خلال حلقة فعالة تنقلب إلى حلقة رديئة ذات تأثير مدمر حينما يتم تخطى الحدود) كما أن الاتزان بمفردة لا يصلح ( تحجيم النظام ككل من التطور والنمو – مساحة وأعداد محدودة وكمية من الغذاء أيضا محدودة).

    فلندمج التعزيز بالاتزان لنرى التأثير

    كما ذكرنا فإن أحد الأدوات الهامة و الفعالة التي يلجأ إليها تفكير النظم  لبناء هيكليات النظم المختلفة هي ما يطلق عليه الرسومات التخطيطية للحلقات السببية (Causal Loops Diagramming) من أجل فهم أفضل للتفاعليات التي تحدث بين المعطيات المكونة لنظام ما وكذلك المتغيرات التي تؤثر فيه، حينما نقرأ الرسم التخطيطي التالي الناتج عن دمج الحلقة السببية التعزيزية المعنونة بالحرف (R) و الحلقة السببية المتزنة المعنونة بالحرف (B) يمكننا التعرف على تفاعليات النظام البيئي الحقيقية لقمة جبل الجليد من الخطوات التالية:

    ١- من خلال الحلقة السببية التعزيزية المندمجة سنرى أن أعداد طيور البطريق و عجول البحر تتزايد (S) بتزايد أعداد المحار المتوفر، و نظرا لتوفر كمية كبيرة من محصول المحار فإن جاذبية التوافد على الجبل يتزايد (S)، وبما أن الجاذبية تتزايد فمما لا شك فيه ستتزايد (S) أعداد الوافدين من الطيور و العجول.

    ٢- من خلال الحلقة السببية المتزنة المندمجة يمكننا أن نرى أن أعداد طيور البطريق وعجول البحر سوف تتناقص (O) نتيجة تناقص (O) مساحة السكن المتاحة التي تعمل على تنامى (O) التقاتل البيني والذي يؤدى بدورة إلى تقليص (O) جاذبية التوافد إلى الجبل.

    بكلمات بسيطة ومن خلال ما تعرضنا له من شرح لهذه القصة سنجد في النهاية أن طيور البطريق قد دخلوا إلى عملية تعزيزية وذهبوا بها بعيدا دافعين النظام أكثر فأكثر تجاه النمو الغير محسوب، معتقدين وبصورة خاطئة أنهم ما زالوا بعيدين عن قدرة احتمال هذا النظام للصمود، ولكن بمجرد الاقتراب من حدود هذا النظام الحقيقية (وهى النقطة التي كانت خافية عليهم من البداية) تيقنوا أن النظام بات غير قادرا على التغيير، أو بتعبير آخر أصبحوا أسري لهذا النظام.

    هل نحن نختلف عن البطريق في نظرتنا للأمور؟

    إن المتتبع لسياق هذه الدراما قد يجد في نهاية الأمر أن البشر في كثير من الأحيان لا يختلفون في وجهة نظرهم عما رأيناه فيما قامت به طيور البطريق من إدارة الأمور بإتباع أسلوب التفكير المنطقي والمباشر (الخطي) في سبيل الحصول على غذائها دونما حساب لكافة العلاقات المخفية المؤثرة والشواهد على ذلك كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:

    *- إهدار الطاقات واستنفاد المجهودات فيما يمكن اعتباره أو يترأى لنا كأساليب ووسائل حسنة النية يمكن أن تؤدى في النهاية لحدوث تغيير أو تطوير طفيف في مسار الأعمال لا يمكن مقارنته بما تم إهداره من مجهود و ما ترتب على ذلك من خسارة في  الوقت و الموارد.

    *- اللجوء إلى تطبيق حلول وقتية (زمنية) تعمل على تجاوز مشكلة اليوم وتخلق مشكلة أكثر تعقيدا في الغد مثل اللجوء إلى ما يمكن أن نطلق علية المسكنات والتي ثبت أنها لا تفيد بل يمكن أن تزيد الأمر سوءا.

    *- التمسك بمبادرة ما أو رأى داخل إحدى قطاعات الأعمال أو المؤسسات؛ حيث تكون دائما البداية براقة ومشرقة ؛ ثم ما تلبث أن تفقد قوة اندفاعها تدريجيا وجزوتها حتى تتهاوى في نهاية الأمر.

    * الاندفاع أكثر فأكثر باتجاه معين فقط أو وحيد من أجل رؤية غاية ما يمكن أن تتحقق على الرغم  من أن العائد أو المردود سوف يصبح في تناقص مستمر مقارنة لما قد يمكن تحقيقه بإتباع اساليب أو طرق أخرى.

    الخلاصـــــة

    كلما استطعنا التعرف على الكم الأكبر من الهيكليات  المخفية في بنية أي نظام كلما كان تطوير النظام والتغير فيه أكثر دقة ومرونه، وكما يقول عالم نظريات النظم دانيل إتش كيم (Daniel H. Kim)، أنه عندما يتوجب علينا العمل على أي نظام فلابد أن نكون  كما لو أننا ننظر من داخلة  بصورة معارضة أو التعامل معه بصور مختلفة؛ بمعنى تمحيص وتدقيق واكتشاف الهيكليات المختلفة التي بداخلة، أي تقمص روح المصمم للنظام وليس روح المشغل له.

    وأخيرا لابد من الإشارة إلى أنه حينما نخفق في ألإحاطة بالكيفية التي تعمل بها النظم فنحن ندفع انفسنا لتقليص فرص التوصل إلى التعرف على والتفاعل مع الأحداث المحددة التي تؤثر في الجزء الظاهر لنا من هذا النظام، ولكن بتطبيق منهج تفكير النظم سيساعدنا ذلك للتعرف على الأنماط المختلفة من الأحداث التي تقع بمرور الوقت (عبر الزمن)، وحينما يعن لنا ملاحظة وتسجيل تلك الأنماط نكون قد نجحنا في التعرف على الهيكليات المخفية والمولدة لتلك الأنماط وعند هذا الحد يمكننا أن نصبح أكثر فاعلية  و يصبح لدينا حرية لاتخاذ القرار، إما بإعادة تصميم النظام الذي نتعامل معه أو إنشاء نظام آخر جديد.

* * * * * *

                    إبراهيم حسين حسنى
       مستشار إدارة وتطوير الأعمال والتسويق الدولي
         عضو الجمعية الدولية للنظام التفاعلي
              الولايات المتحدة الأمريكية
                        * * * * *
المصدر:
قراءة من كتاب قمة جبل الجليد
David Hutchens

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

  1. تكنولوجيا إعادة تدوير مخلفات الورق …!!!
  2. تكنولوجيا إعادة تدويرالنفايات والمخلفات الجافـة …!!!
  3. بدون اقنعة!!
  4. تكنولوجيا إعادة التدوير إستثمار ناجح وعلاج لبطالة الشباب …!!!
  5. دراسات فى نول جوجل
  6. ماذا تترك على الانترنت بعد وفاتك
  7. فضل العشرة من ذي الحجة
  8. نظم التعليم وإدارة موارد الدولة …!!!
  9. كيـف نبتكـر أعمـالـنا ونجعلها تفاعلـية ؟
  10. السياسات المقاومة للتغيير
  11. المحاكاة فى التعلـيم والتدريـب
  12. ثلاثة نظم للتفكير ومجالها المعرفى
  13. قمة الجبل و سلسلة من الاحداث الغامضة
  14. ما الجديـد ؟ ‎- مقالاتى الجديـــدة …!!!
  15. العالــم الحقيقي …. الحقيقي ….!!!
  16. ما وراء الفقاعة – اقتصاديات جديدة فى الطريق …!!!
  17. نهايات الماضي و بدايات المستقبل ….. !!!
  18. نجاحنا بطعم العلقم في أفواه أبناءنا ….!!!!
  19. التفكير البصرى فى التعليم والتدريب وادارة الاعمال
  20. الوفرة الإبداعية تقنية تسويق حديثة
  21. المياة والطاقة – تخطيط وإدارة
  22. البناء الهرمى للتفكير ومهارات الأفق المعرفى
  23. طـــرق مختلفــــة للتفكــــير
  24. الانضباط – كلمة السر لسعادة البشر …!!!
  25. الانضباط الحكيم لصيانة العدالة والحقوق …!!!
  26. الانضباط التربوي و التعليمي ‎- نموذج جوردون
  27. الانضباط التربوى والتعليمى …!!!
  28. الانضباط التربوي والتعليمي ‎- نموذج الانضباط الايجابى
  29. الانضباط التربوي والتعليمي ‎- نموذج وساطة الزمالة
  30. أوتوديناميكس ® …حينما تبدع التفاعلية فى الإدارة …!!!
  31. هيموداياديناميكس ® … حينما تبدع التفاعلية في العلاج …!!!
  32. الثانوية العامة ‎- نظم التعليم ‎- وأشياء أخرى …..!!!
  33. كيف نستطيع إثراء المحتوى العربى المفيدعلى شبكة الانترنت؟
  34. كيـــف تصــبح مفكــــرا متمــيزا ؟
  35. النظام التفاعلي – انماط السلوكيات المختلفة للنظم
  36. تفكير النظم – أدوات ومناهج
  37. تفكير النظم وإسترتيجيات التغيير
  38. النظام التفاعلي – تقنية متقدمة لإدارة الأعمال
  39. تفكير النظم مفهوم جديد لإدارة الأعمال
  40. البطالة والشباب فى العالم العربى .. ماهو الحل؟
  41. الأمية وحمارنا الذى يحمل أسفارا …!!!
  42. الترجمة …..هموم المهنة من افواه اصحابها …!!!
  43. هكذا يتقدمون فهل آن الأوان لنلحق بهـم …!!!
  44. الى اين يسير شباب هذه الامة؟